• Google Plus
  • Rss
  • Youtube
مايو 9, 2026

قراءات مستقبلية رقم (١٢) ٢٠٢٦

الانسداد السياسي في إقليم كوردستان: الخيارات والتداعيات

– قراءات مستقبلية رقم (12)

– الباحثون: د.يوسف گوران، د.عابد خالد رسول،  د.فاروق عبدول مولود ، د.جليل عمر على.

– مركز الدراسات المستقبلية – السليمانية – اقليم كوردستان.

– نيسان 2026

فهرست المواضیع

– المحور الأول: القراءة الدستورية لخيارات الخروج من حالة الانسداد السياسي في الإقليم.

– المحور الثاني: الحكومة الاتحادية وآليات التعامل مع الانسداد السياسي في الإقليم.

– المحور الثالث: الانسداد السياسي وخيار “الإدارتين” في الإقليم.

 

مقدمة

منذ إجراء انتخابات الدورة السادسة لبرلمان كوردستان (في 20/10/2024)، وتوجيه رئيس إقليم كوردستان دعوةً لانعقاد البرلمان (في 24/11/2024)، وانعقاد الجلسة الأولى (في 2/12/2024) التي ظلت مفتوحة حتى الآن، يواجه إقليم كوردستان انسداداً سياسياً ودستورياً عميقاً. ويعود ذلك لعدم توصل القوى الفائزة الرئيسية في تلك الانتخابات إلى اتفاق حول تشكيل الكابينة الوزارية الجديدة، وتجاهل مبادئ الشراكة والتوازن في الإدارة. ولتجاوز هذه الأزمة والخروج من حالة الانسداد، يمكن الإشارة إلى خيارات عدة ، لكل منها تداعياته ومخرجاته الخاصة، وهي: استكمال عملية تشكيل الحكومة عبر اتفاق بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، أو حل برلمان كوردستان وإجراء انتخابات مبكرة، أو اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا للبت في الوضع الراهن. أو إعادة الصياغة القانونية لنظام الحكم في الإقليم وفق نظام الإدارتين الذي كان قائماً قبل عام 2005 بوصفه الخيار الأخير. وتعد بعض هذه الخيارات ذات تداعيات محفوفة بالمخاطر على مستقبل كيان إقليم كوردستان.

يتناول العدد (12) من (قراءات مستقبلية)، عبر ثلاثة محاور، تحليل ومناقشة خيارات الخروج من الانسداد السياسي في إقليم كوردستان، مع تسليط الضوء على التداعيات والتحديات الناجمة عن هذه الأزمة السياسية في الإقليم عقب انتخابات البرلمان لعام 2024.

المحور الأول: القراءة الدستورية لخيارات الخروج من الانسداد السياسي في الإقليم

الخيار الأول: استكمال عملية تشكيل الحكومة الجديدة، الذي يُعد من المنظورين القانوني والدستوري، المسار الأكثر طبيعية لتجاوز الانسداد السياسي الراهن. وتتمثل الخطوات القانونية والدستورية اللازمة لاستكمال هذه العملية ـ عقب دعوة رئيس إقليم كوردستان للبرلمان (في 24/11/2024) وعقد الجلسة الأولى برئاسة “رئيس السن” (في 2/12/2024) ـ فيما يلي: أولاً: انتخاب هيئة رئاسة البرلمان (رئيس البرلمان ونائبه وسكرتير البرلمان) في الجلسة الأولى ذاتها بالأغلبية المطلقة لأصوات أعضاء برلمان كوردستان، استناداً إلى المادة (48) من قانون انتخابات برلمان كوردستان رقم (1) لسنة 1992 المعدل.”، “ثانياً: انتخاب رئيس إقليم كوردستان بالأغلبية المطلقة لأصوات أعضاء برلمان كوردستان، وفقاً للمادة (4) من قانون تفعيل مؤسسة رئاسة إقليم كوردستان رقم (1) لسنة 2019.”، “ثالثاً: تشكيل الكابينة الوزارية الجديدة، والتي تمر بثلاث مراحل: مرحلة تسمية مرشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء بالأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان. مرحلة تكليف المرشح من قبل رئيس الإقليم بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة 30 يوما. ومرحلة نيل الثقة للتشكيلة الوزارية المقترحة بالأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان، وكل ذلك وفقاً للفقرتين (3 و4) من المادة (56) من قانون انتخابات برلمان كوردستان، والفقرة (12) من المادة (10) من قانون رئاسة إقليم كوردستان رقم (1) لسنة 2005 المعدل.” وبما أن نتائج انتخابات 2024 لم تفرز عنها فوز اية قائمة انتخابية بالأغلبية المطلقة من مقاعد البرلمان و كلا الحزبين الرئيسيين وحلفاؤهما يمتلكون الثقل والوزن نفسه من حيث عدد المقاعد، فإن الخطوات الثلاث المذكورة آنفاً (انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، انتخاب رئيس إقليم كوردستان، تشكيل الكابينة الوزارية الجديدة) تتطلب توافقاً سياسياً بين القوى الرئيسية الفائزة لكي تتحقق الأغلبية المشارة إليها للخطوات الثلاث. ويتطلب ذلك إرادة وثقة سياسية، لا سيما لتجاوز حالة “العناد السياسي” والنزوع نحو الاستئثار بمفاصل السلطة. وإن أي تعطيل إضافي لهذه العملية قد يُفسّر دستورياً كعدم التزام بسيادة القانون وإخفاق في أداء الواجبات الدستورية.

الخيار الثاني: حل البرلمان واللجوء إلى انتخابات مبكرة، وهو خيار يمثل حلاً دستورياً اضطرارياً؛ ففي حال فشل الأطراف في تشكيل الحكومة، يتم اللجوء إلى تجديد الثقة والعودة إلى الناخبين. من الناحية القانونية (وفقاً للفقرة 4 من المادة 10 من قانون رئاسة الإقليم)، يتم حل البرلمان في إحدى الحالات التالية: “١- إستقالة أكثر من نصف أعضاء البرلمان. ٢- عدم اكتمال النصاب القانوني لعقد الجلسات خلال 45 يوماً من الدعوة لانعقاد دورة انتخابية. ٣- عدم منح الثقة لثلاث تشكيلات وزارية مختلفة ومتتالية من قبل البرلمان. ٤تغيير نظام الانتخابات البرلمانية مع بقاء 6 أشهر أو أقل على نهاية الدورة الانتخابية.”. ينحصر حلُّ البرلمان في تلك الحالات حصراً، وعليه، لا يتمتع رئيس الإقليم بصلاحية حل البرلمان، ولا يملك حق الدعوة إلى انتخابات مبكرة ما لم يتم حل البرلمان أولاً. وعقب حل البرلمان، يصدر رئيس الإقليم مرسوماً خلال (15) يوماً لتحديد موعد إجراء انتخابات عامة مبكرة، على ألا يتجاوز موعد إجرائها 60 يوماً من تاريخ الحل (وفق الفقرة 2 من المادة 10 من قانون رئاسة الإقليم). وبناءً على قرارات المحكمة الاتحادية العليا (قرار 30/5/2023)، تقع مسؤولية الإشراف والإدارة لهذه الانتخابات على عاتق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق. في هذه الحالة، تستمر الكابينة الحالية بمهامها كـ”حكومة تصريف أعمال”. وتكمن نقطة ضعف هذا الخيار في أنه، فضلاً عن تكاليفه المالية والسياسية الباهظة، لا توجد ضمانات لتغيير الخارطة السياسية أو أحجام القوى بما يكفي لحل الأزمة، بل قد يعيد الإقليم إلى دوامة الانسداد السياسي ذاتها ويعمق أزمة الثقة، ولا سيما إذا كان الهدف من الانتخابات المبكرة التفرد بالسلطة واحتكارها أكثر من ذي قبل، عن طريق وسائل غير مشروعة لتغيير نتائج الانتخابات بشكل غير متوقع.

الخيار الثالث: اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا لحسم الموقف، في حال فشل الخيارين السابقين أو عدم الأخذ بهما، وذلك (استناداً إلى المادة 93 من الدستور العراقي لعام 2005، التي منحت هذه المحكمة صلاحيات واسعة للرقابة على دستورية القوانين، وتفسير النصوص، والفصل في المنازعات بين السلطات على مستويات الحكومة الاتحادية، والأقاليم، والمحافظات). وفي إطار هذا الخيار يمكن أن يُجعل خلق الانسداد السياسي وعدم تشكيل الحكومة لفترة طويلة بوصفها “تقصيراً في أداء الواجب الدستوري” أو “انتهاكاً لمبدأ سيادة الشعب والتداول السلمي للسلطة” ذريعة لتحريك هذه القضية أمام المحكمة إما عبر مؤسسة اتحادية (كرئيس الجمهورية بصفته حامياً للدستور) أو عبر طرف متضرر من داخل الإقليم نتيجة ذلك التقصير أو الانتهاك. وعلى الرغم من أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة، إلا أنها لا تملك عملياً قوة إلزام أطراف الإقليم على خيار محدد؛ وإنما قد يتجه قرارها نحو تحديد سقف زمني إلزامي للقوى السياسية لاستئناف عملية تشكيل الحكومة، أو حتى حل برلمان الإقليم بسبب حالة الشلل التي يعاني منها. بيد أن هذا الخيار سيؤدي سياسياً إلى نقل مفاتيح حل أزمات الإقليم من يده إلى ايدي السلطات الاتحادية، التي غالباً ما تتسم قراراتها بـ “نزعة مركزية” واضحة. وكذلك، من أجل ممارسة المزيد من الضغط على الأطراف، قد تُصدر المحكمة الاتحادية قراراً بعدم قانونية قرارات حكومة الإقليم، وتمنعها من اتخاذ خطوات أو قرارات استراتيجية.

الخيار الرابع: إعادة صياغة نظام الحكم في الإقليم وفق “نظام الإدارتين“، ويعني هذا الخيار إعادة هيكلة الحكم في الإقليم في إطار إقليم واحد بما يشبه الواقع الذي كان قائماً بين أربيل والسليمانية خلال الأعوام (1996-2005) كأمر واقع . ورغم أن هذا الخيار قد يُنظر إليه بقلق بوصفه “تراجعاً”، إلا أنه من الناحية القانونية والدستورية يقع تماماً ضمن إطار الشؤون الداخلية لإقليم كوردستان، وحريته في تنظيم سلطاته (وفق المواد 116 إلى 121 من الدستور الاتحادي). وضمن هذا الإطار، يمكن إعادة تنظيم الإقليم وفق صيغة “اللامركزية الموسعة” التي أشارت إليها المادة 122 من الدستور، بحيث يدار الإقليم كمنطقتين ذاتيتي الحكم بشكل واسع، تملك كل منهما مؤسسات حكم وموارد مالية وقوى أمنية خاصة بها، مع البقاء ضمن إطار “وحدة الإقليم”. كما تبرز نماذج أخرى اختيار الادارتين مثل (منطقتين للحكم الذاتي) كصيغ محتملة أخرى لإعادة صياغة نظام حكم الاقليم. وبالرغم من أن البعض من هذه الصيغ قد لا يكون محبذا من قبل أي قوى سياسية، إلا أن استمرار سياسات التهميش وانعدام العدالة الإدارية، وفرض “إدارتين حزبيتين” كأمر واقع، قد يجعل من هذا الخيار بديلاً اضطرارياً للأطراف المتضررة من هذه السياسات المحفوفة بالمخاطر.

المحور الثاني: الحكومة الاتحادية وآليات التعامل مع الانسداد السياسي في الإقليم

أدى التأخر في تشكيل حكومة إقليم كوردستان، بناءً على استحقاقات الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، إلى بروز إشكالات قانونية واقتصادية وسياسية معقدة للإقليم. فقد تسبب هذا التأخير في تمديد عمر “حكومة منتهية الولاية” إلى مدى قياسي، مما أضعف من وزن وقيمة قراراتها وتوصياتها وأعمالها من الناحية الشرعية، لا سيما أمام السلطة الاتحادية؛ إذ تلتزم الحكومة الاتحادية بالتعامل مع حكومة منتخبة تتمتع بالشرعية الشعبية، وهي الحكومة التي قامت بغداد بتوفير الموازنة والمتطلبات اللوجستية لانتخابها والمصادقة على نتائجها.

وعلى الرغم من أن الحكومة الاتحادية وجهت تحذيرات متكررة من مغبة الانسداد السياسي القائم في الإقليم، ودعت القوى السياسية ـ وتحديداً الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني ـ إلى تكثيف الجهود لتجاوز هذه الأزمة، إلا أن الضغوط والمساعي لم تؤتِ ثمارها. وفي بعض المناسبات، وصفت الحكومة الاتحادية هذا الوضع بأنه “عائق متعمد” للحيلولة دون المضي في الحوار وحسم الملفات العالقة بين الطرفين، مشيرةً إلى وجود مصالح حزبية وشخصية كبرى داخل الحكومة منتهية الولاية تمنع تجاوز بعض تلك المشكلات. وعلاوة على قلق الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي من استمرار وأمد الانسداد السياسي في الإقليم بعد انتخابات 2024، إلا أن البعض يرى في هذا الوضع “فرصة” للحكومة الاتحادية قد تفتح الباب أمام تغيير جوهري في طبيعة العلاقة بين المركز والإقليم. بحيث لا تقوم هذه العلاقة مستقبلاً على أسسٍ دستورية ، بل تتحول إلى استثمار ممنهج من قبل السلطة الاتحادية لغياب المؤسسات الشرعية في الإقليم، من أجل ترسيخ واقع جديد يقلص من الاستقلالية القانونية والسياسية والدستورية للإقليم بشكل أكبر.

إن التأخر في تشكيل الحكومة لأكثر من عام ونصف لن يبقى حبيس إطار الأزمة الداخلية فحسب، بل سيخلق ثغرة كبرى تتيح للحكومة الاتحادية ـ عبر المحكمة الاتحادية العليا والمعايير الدستورية والقانونية ـ فرض مزيد من القيود على الإقليم. وسيؤدي ذلك إلى “تأميم” (مركزيّة) الأزمات الداخلية للإقليم، ونقل الملفات والقضايا السياسية من يد سلطات الإقليم إلى السلطات الاتحادية؛ مما يعزز النزعة المركزية ويسهم في إعادة صياغة النظام الاتحادي (الفيدرالي) بما يخدم توجهات المركز في حال استغلال هذا الظرف، وهو ما يقودنا إلى الإشارة لتداعيين أساسيين في هذا الصدد:

أولاً: المزيد من التدخل في الإقليم

إذا ما نظرت الحكومة الاتحادية إلى الانسداد السياسي الراهن في الإقليم بسبب عدم تشكيل الحكومة بوصفه فرصة لإنهاء حقبة “وحدة الموقف الكوردي” و”الشرعية المؤسساتية” في مواجهة المركز، فإن استمرار هذه الأزمة سيمنح بغداد فرصاً أكبر للتوقف عن التعامل مع أربيل كمركز قرار موحد. وبدلاً من ذلك، ستتعامل مع الحكومة منتهية الولاية كخيار اضطراري،  مع تجاهل مبدأي التوازن والشراكة في عمليات التفاوض وصنع القرار، لا سيما في القضايا الجوهرية ذات الأبعاد المالية والأمنية والسياسية. علاوة على ذلك، فإن هذا الانقسام الداخلي العميق الذي أعقب انتخابات 2024 — والناتج أساساً عن غياب الثقة والشراكة والتوازن في السلطة — قد أدى إلى إضعاف ثقل المكون الكوردي بوصفه (الموازن الحاسم) في العملية السياسية العراقية. فبينما كان بإمكان حكومة الإقليم سابقاً فرض شروطها ومواقفها في ملفات اتحادية معينة، أو إبداء مستوى أقل من الامتثال بكافة قرارات الحكومة الاتحادية، انعكس الوضع الآن؛ إذ تحول إقليم كوردستان من شريك دستوري قوي إلى كيان يسعى لتسيير شؤونه اليومية وفقاً للإرادة والتوجهات الصادرة من بغداد.

إن أخطر تداعيات هذا الانسداد السياسي تتمثل في فقدان حكومة الإقليم لزمام المبادرة في الملفات الحيوية، وعلى رأسها ملف الطاقة. ففي الآونة الأخيرة، نجحت الحكومة الاتحادية ، في استغلال سياسة الطاقة الخاطئة للإقليم والفراغ الحكومي والضغط القضائي لفرض سلطة شركة “سومو” على نفط الإقليم، محولةً دور وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم إلى دور إداري ثانوي، مما أدى إلى التسليم التدريجي لإدارة الحقول والشركات النفطية للسلطة الاتحادية. وفي ملف التعرفة الجمركية، كثفت الحكومة الاتحادية ضغوطها على الإقليم للإذعان لنظام “التوحيد الجمركي” والسيطرة على المنافذ الحدودية، بتنفيذ هذا النظام، تقلصت سلطة حكومة الإقليم فيما يتعلق بالسياسة الجمركية.

ثانياً: انحسار الضغوط الدولية على الحكومة الاتحادية

لطالما استمد إقليم كوردستان ثقله الدولي من كونه نموذجاً للاستقرار والديمقراطية في منطقة تعج بالاضطرابات، مما دفع المجتمع الدولي للتعامل معه بوصفه “كياناً شبه دولة ” بيد أن الإخفاق في تشكيل الحكومة لمدة قياسية، وتجاوز كافة المواعيد النهائية الدستورية، قد بعث برسالة سلبية إلى العواصم العالمية والمنظمات الدولية؛ حيث بدأ ينظر إلى مؤسسات الإقليم بوصفها سلطات “فاقدة للشرعية” أو “منتهية الولاية”، مما أضعف الرغبة الدولية في الدفاع عن الحقوق الدستورية للإقليم أمام تزايد هيمنة الحكومة الاتحادية.

إن إطالة أمد هذا الانسداد السياسي تدفع البعثات الدبلوماسية للتعامل مع الإقليم كأمر واقع ، لا ككيان دستوري، وهو ما قد تستغله الحكومة الاتحادية لإقناع المجتمع الدولي بضرورة اعتماد بغداد كجهة شرعية عليا ووحيدة في تمثيل المصالح الخارجية وإدارة شؤون الإقليم دولياً وهذا يمهد الطريق لمرحلة قد يضعف فيها الاعتراف الدولي بالخصوصية السياسية للإقليم، ليتحول في المنظور الخارجي إلى مجرد شأن داخلي عراقي يُدار من قبل السلطة الاتحادية.

وفي النهاية، يمكن القول إنه بالرغم من حث الحكومة الاتحادية للأطراف السياسية في إقليم كوردستان على الإسراع في تشكيل الحكومة وإنهاء الانسداد، إلا أن هناك مخاوف جدية من أن يتجاوز هذا الوضع حدود “الوساطة” ليصل إلى مستوى تقليص المكاسب السياسية لما بعد عام 2003. وذلك عبر التدخل في الملفات الاقتصادية والأمنية وضرب الشرعية الدستورية والقانونية للإقليم يسهم في ترسيخ ركائز “عراق مركزي” أكثر قوة. هذا الواقع يضع القوى السياسية في الإقليم أمام خيارين: إما إنهاء الانسداد السياسي على قاعدة “الشراكة الحقيقية” ووقف الاستئثار بمفاصل السلطة، وذلك للحفاظ على ما تبقى من الكيان الدستوري؛ أو الاستمرار في الصراعات الداخلية والعناد السياسي، وهو ما سيفضي بالنتيجة إلى تحويل الإقليم إلى “كيان إداري منزوع الروح السياسية”.

المحور الثالث: الانسداد السياسي وخيار “الإدارتين” في الإقليم

إن طرح خيار “الإدارتين” كحلٍ لأزمة الانسداد السياسي في إقليم كردستان، يمثل محاولة لتجاوز حالة “الإدارتين” المفروضة كأمرٍ واقع بصيغتها الحزبية التي تهیمن حالياً على مفاصل الحكم في الإقليم. وينطلق هذا الطرح من كون هذا التفكك قد عطل أسس التوافق وآليات الشراكة السياسية في مركز صنع القرار بالإقليم، وقوض الثقة بين القوى المكونة له وأفرز هذا الواقع نمطاً من الحكم يتمتع فيه مناطق نفوذ الحزب المهيمن في العاصمة (أربيل ودهوك) بسبب الاحتكار في توزيع الموارد المالية، فإنه قد جعل (المناطق) تستفيد من النمو الاقتصادي ومستوى الخدمات العامة بشكل متفاوت، بينما تُحرم المناطق الأخرى (السليمانية وحلبجة) من ذلك النمو وتلك الخدمات. من هنا، فإن الهدف من طرح خيار “الإدارتين” بصيغة قانونية لا حزبية، كشكل مما يُعرف في القانون الدستوري بـ “اللامركزية السياسية الإقليمية”، يرمي من جهة إلى إنهاء حالة انعدام العدالة والتهميش، ومن جهة أخرى إلى منع المزيد من التشرذم ودرء احتمالات التصادم، مع حماية المصالح المناطقية ضمن إطار المصلحة العامة للإقليم. ويمكن تفسير هذا الخيار، بكونه صيغة قانونية من صيغ إدارة التعددية والتباين السياسي والتمتع بالحكم الذاتي على المستوى المناطقي.

لقد كانت الرغبة في الحفاظ على وحدة جنوب كوردستان عقب انتفاضة 1991 هي الركيزة لتأسيس أول برلمان وحكومة للإقليم عام 1992. إلا أن الصراع على الاستحواذ على الإيرادات الجمركية،  وبفعل التدخلات الخارجية وأزمة الثقة التاريخية، أدى إلى اندلاع الحرب الداخلية عام 1994 وانقسام الإقليم إلى إدارتين (أمر واقع) عام 1996. وعقب اتفاق واشنطن 1998 وسقوط نظام البعث 2003 وتثبيت مكانة الإقليم في الدستور العراقي (2004-2005)، توحدت حكومة الإقليم رسمياً، ولكن واقعا ظلت صيغة “الإدارتين الحزبية” قائمة ومستمرة فعلياً لحد الآن في ثلاثة أبعاد رئيسية:

  1. إدارياً: انقسام سلطة صنع القرار بين أربيل والسليمانية وفقاً لمناطق نفوذ الأحزاب.
  2. أمنياً: بقاء قوات (70 و80) والأجهزة الأمنية خارج نطاق السيطرة الوطنية الموحدة للإقليم.
  3. اقتصادياً: استمرار الصراع على النفط المحتكر والغاز والمنافذ الحدودية، والمرتبط بنفوذ ومصالح القوى الإقليمية والدولية.

هذا النمط من “الإدارتين – الحزبيتين” دفع في عهد الكابينة التاسعة نحو تفكيك ما تبقى من حلقات الوحدة الرسمية الضعيفة؛ مما أدى إلى نشوء وضع تستخدم فيه إحدى القوى الصلاحيات القانونية لجمع الإيرادات والمؤسسات الوزارية في العاصمة لخدمة مناطق نفوذها وحصد الأصوات الانتخابية، بينما تسبب في تهميش مناطق نفوذ القوة الأخرى وتراجع الخدمات فيها. وهذا الوضع أفقد حكومة الإقليم وعاصمتها ثقة جميع مناطق الإقليم، وعمّق من حدة الانقسام الحزبي.

على أية حال، فإن الاستمرار في نمط “الإدارتين” بصيغته الحزبية الراهنة يُعد أمراً غير قانوني من الناحية الدستورية، وأدّت إلى إضعاف كيان الإقليم. لذا، يغدو من الضروري وضع حلول لهذا الوضع ضمن إطار قانوني منظم لإنهاء التهميش وانعدام العدالة بين مناطق الإقليم المختلفة. ويمكن صياغة هذا التنظيم القانوني عبر نماذج مختلفة:

النموذج الأول: ترسيخ اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، الذي يتمثل في الحفاظ على كيان الإقليم كما هو، ولكن عبر تشريع قانون جديد أو تعديل قانون مجالس المحافظات رقم (3) لسنة 2009؛ إعادة تنظيم محافظتي (السليمانية وحلبجة) ضمن منطقة إدارية أوسع من المحافظة، ويمكن تطبيق الأمر ذاته على محافظتي (أربيل ودهوك). وبموجب هذا النموذج، تمتلك كل منطقة إدارية موسعة سلطات تنفيذية ومالية وأمنية مستقلة، تدير شؤونها دون الرجوع إلى المركز في عاصمة الإقليم. وفي هذه الحالة، تتحول حكومة الإقليم إلى “مؤسسة تنسيقية” تشرف فقط على رسم السياسات العامة وإدارة العلاقات الخارجية.

النموذج الثاني: يتمثل في هيكلة نظام الإقليم يتكون من منطقتين للحكم الذاتي ضمن إطار إقليم كردستان، مع تحويل العاصمة أربيل إلى مدينة ذات حكم ذاتي ثالثة، تتمتع بوضع خاص ولا تتبع إدارياً أيّاً من المنطقتين، على أن يتم تنظيم ذلك بقانون يصدر عن برلمان كردستان. وبمقتضى هذا النظام، تتمتع كل منطقة حكم ذاتي ببرلمان ومجلس وزراء خاصين بها لإدارة شؤونها الداخلية، في حين تُناط إدارة الملفات الوطنية السيادية للإقليم (كالعمل الدبلوماسي والتمثيل الكردي في بغداد) ببرلمان وحكومة إقليم كردستان في عاصمة الإقليم.

ختاماً، يمكن قراءة مفهوم “الإدارتين”، بالصيغة القانونية المطروحة هنا، كآلية لإدارة الصراع والتعددية السياسية في إقليم كوردستان ومنحه “شرعية علمية”. إن الخطر الحقيقي يكمن في الصيغة الحزبية غير المنظمة والخارجة عن القانون لواقع الإدارتين الحالي.

 إن تحويل هذا الواقع غير القانوني إلى نظام قانوني — سواء عبر اللامركزية الواسعة، أو منطقتين للحكم الذاتي، مع تحويل مدينة أربيل إلى منطقة إدارية مستقلة؛ وذلك لوضع حد لعدم العدالة والتهميش القائم بين مختلف مناطق إقليم كردستان.

الخاتمة

يظل تشكيل الحكومة عبر التوافق السياسي القائم على مبادئ التوازن والشراكة والعدالة الإدارية، هو المسار القانوني والدستوري الأمثل والأكثر سلامة لإنهاء الانسداد السياسي في إقليم كوردستان وضمان استقراره. إن صعوبة هذه العملية تكمن حصراً في الحاجة إلى إرادة وثقة سياسية، وهي دوافع لا تزال غائبة لدى الأطراف السياسية حتى الآن. أما فيما يتعلق بخيار حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، فعلاوة إلى كونه عملية طويلة الأمد وذات تكلفة باهظة، فإنه لا توجد ضمانات حقيقية بأن يؤدي هذا الخيار الى تغيير الخارطة السياسية أو أحجام القوى بما يكفي لتجاوز الأزمة الراهنة. وفيما يتعلق بخيار اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا، فإنه ليس خياراً مرغوباً جداً ؛ كونه يفتح الباب أمام تدخلات السلطات الاتحادية في الشؤون الداخلية للإقليم، مع احتمالية (مركزة) مشكلات الإقليم، بيدَ أنّه في حال انعدام الحلول للخروج من هذا المأزق السياسي والقانوني، فربما يغدو هذا الخيارُ هو الملاذ الاضطراري الأخير. وأسواء خيار هو العودة إلى وضع “الإدارتين”، الذي يُطرح كمخرج اضطراري يتيح لكل طرف التفرغ لخدمة مواطني منطقته، وذلك في سبيل الحيلولة دون تعمق الصراعات بشكل أكبر.

ڕانانى-ئایندەیی-ژمارە-12- 2026

قراءات-مستقبلية-رقم -12- 2026

Futuristic Readings No.12-2026 

 

Send this to a friend